مجد الدين ابن الأثير
233
المختار من مناقب الأخيار
قال : ترى الدير الذي بحذائك ؟ قلت : نعم . قال : إنهم يأتوني في كلّ سنة يوما واحدا فيزيّنون صومعتي ويطوفون حولها ويعظّموني بذلك ، فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكّرتها عزّ تلك الساعة ، فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة ، فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد . فوقر في قلبي المعرفة . فقال : حسبك أو أزيدك ؟ قلت : بلى . قال : انزل عن الصومعة . فنزلت ، فأدلى إليّ ركوة فيها عشرون حمّصة ، وقال لي : اقصد « 1 » الدّير ، فقد رأوا ما أدليت إليك . فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى فقالوا : يا حنيفي ! ما الذي أدلى إليك الشيخ ؟ قلت : من قوته . قالوا : وما تصنع به ؟ نحن أحقّ به منك . قلت : أساوم . فقالوا : قل . فقلت : عشرون دينارا . فأعطوني عشرين دينارا ، ورجعت إلى الراهب ( 1 ) فقال : يا حنيفي ، ما الذي صنعت ؟ قلت : بعته . قال : بكم ؟ قلت : بعشرين دينارا . قال : أخطأت ، لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك ، هذا عزّ من لا يعبده ، فانظر كيف يكون عزّ من بعبده ! ؟ يا حنيفي ، أقبل على ربّك ودع الذهاب والجيئة « 2 » . وقال بقيّة بن الوليد : قال إبراهيم بن أدهم : مررت براهب في صومعته ، والصومعة على عمود ، والعمود على قلّة جبل ، كلّما عصفت الريح تمايلت الصومعة ، فناديته : يا راهب ! فلم يجبني ، ثم ناديته فلم يجبني ، ثم ناديته فقلت في الثالثة : بالذي حبسك في صومعتك إلّا ما أجبتني . فأخرج رأسه من صومعته فقال : كم تنوح ؟ ! سمّيتني باسم لم أكن له بأهل ، قلت يا راهب ! ولست براهب ، إنما الراهب من رهب من ربّه . قلت : فما أنت ؟ قال : سجّان ، سجنت سبعا من السّباع . قلت : وما هو ؟ قال : لساني سبع ضار إن أشليته مزّق الناس « 3 » . يا حنيفي ! إنّ للّه
--> ( 1 ) في ( ل ) والحلية : « إلى الشيخ » ، والمثبت من ( أ ) . ( 2 ) الحلية 8 / 29 . ( 3 ) في الحلية : « سيبته » ، وأشليت الكلب وقرقست به : إذا دعوته . وقول الناس : أشليت الكلب على الصيد خطأ . ويقال : أوسدت الكلب بالصيد وأسّدته : إذا أغريته به . اللسان ( شلي ) .